القاضي التنوخي
121
الفرج بعد الشدة
عاد الرّجل إلى الحضرة ، فحدّثنا بعظم أمر ابن طغج ، واتّساع ملكه . وقال : رأيته غير الرّجل الّذي كنّا نعرفه ، مكانة ، ورجاحة ، وحين رآني ، قرّبني ، وأكرمني ، وما زال مستبشرا بي ، يحادثني ، وأحادثه ، ويسألني عن واحد واحد ، من بني شيرزاد ، وغيرهم من الجيران ، وأنا أخبره . حتّى قال في بعض قوله : الحمد للّه الّذي بيده الأمور ، ما شاء فعل ، يا فلان ، ألست ذاكرا ما كنت فيه ببغداد ، من تلك الأحوال الخسيسة [ 142 م ] وما كنت ألاقي من الشدّة ، والفقر ، والفاقة ، والغرض بالعيش « 9 » ، والهمّ بأولئك البنات ؟ . قلت : نعم يا سيّدي . قال : واللّه لقد كنت أتمنّى وأسأل اللّه أن يرزقني ابنا ، فكلّما اجتهدت في ذلك جاءتني ابنة ، حتّى تكاملن في بيتي عشرا . وكنت أتمنّى منذ سنّ الحداثة أن أرزق دابّة أبلق « 10 » ، واستشعر أنّي إذا ركبت ذلك ، فقد حصلت لي كلّ فائدة ونعمة ، لشدّة شهوتي لها ، فما سهّل اللّه لي ما طلبته من هذا الباب أيضا شيئا . وتكهّلت ، وعلت سنّي ، وأنا على تلك الأحوال . وضرب الدّهر ضربه ، وخرجت من بغداد ، فابتدأ الإقبال يأتي ، والإدبار ينصرف . وكان اللّه تعالى يرزقني في كلّ سنة ابنا ، ويقبض عنّي ابنة ، حتّى مات البنات كلّهنّ ، ونشأ لي هؤلاء البنون ، وأومأ إلى أحداث بين يديه كأنّهم الطواويس حسنا وجمالا .
--> ( 9 ) الغرض : الضجر والملال . وفي م : وتنغيص العيش . ( 10 ) الدابّة : يجوز فيها التذكير والتأنيث ، والأبلق : الذي في لونه سواد وبياض .